سيد محمد طنطاوي

14

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم بين - سبحانه - أن عقابه للمرتكبين السيئات واقع بهم ، وأنهم إذا ظنوا خلاف ذلك ، فظنهم من باب الظنون السيئة القبيحة ، فقال - تعالى - : * ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) * . و « أم » هنا منقطعة بمعنى بل ، والاستفهام للإنكار والتوبيخ ، وقوله : * ( أَنْ يَسْبِقُونا ) * سد مسد مفعولي حسب ، وأصل السبق : الفوت والتقدم على الغير . والمراد به هنا : التعجيز ، والمعنى : بل أحسب الذين يعملون الأعمال السيئات كالكفر والمعاصي ، « أن يسبقونا » أي : أن يعجزونا فلا نقدر على عقابهم ، أو أن في إمكانهم أن يهربوا من حسابنا لهم ؟ إن كانوا يظنون ذلك فقد : « ساء ما يحكمون » أي : بئس الظن ظنهم هذا ، وبئس الحكم حكمهم على الأمور . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدخل السرور والاطمئنان على قلوب عباده المؤمنين الصادقين فقال - تعالى - : * ( مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّه ، فَإِنَّ أَجَلَ اللَّه لآتٍ ، وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) * . أي : من كان من الناس يرجو لقاء اللَّه - تعالى - يوم القيامة لقاء يسره ويرضيه ، ويطمعه في ثوابه وعطائه ، فليثبت على إيمانه ، وليواظب على العمل الصالح ، « فإن أجل اللَّه لآت » . أي : فإن الأجل الذي حدده اللَّه - تعالى - لموت كل نفس وللبعث والحساب ، لآت لا محالة في وقته الذي حدده - سبحانه - « وهو السميع » لأقوال خلقه « العليم » بما يخفونه وما يعلنونه . فالرجاء في لقاء اللَّه ، بمعنى الطمع في ثوابه ، ومنهم من فسره بمعنى الخوف من حسابه - سبحانه - . قال صاحب الكشاف : لقاء اللَّه : مثل للوصول إلى العاقبة ، من تلقى ملك الموت ، والبعث ، والحساب ، والجزاء ، مثلت تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل ، وقد اطلع مولاه على ما كان يأتي ويذر ، فإما أن يلقاه ببشر وترحيب ، لما رضى من أفعاله ، أو بضد ذلك لما سخطه منها . . . وقيل : « يرجو » يخاف ، كما في قول الشاعر : إذا لسعته الدبر لم يرج لسعها . . » « 1 » أي : إذا لسعته النحل لم يخف لسعها . وعلى كلا التفسيرين للرجاء ، فإن الآية الكريمة تبشر المؤمنين بما يدخل السرور على نفوسهم ، وتعدهم بأنهم متى ثبتوا على إيمانهم ، وأحسنوا أعمالهم ، فإن ثوابهم سيظفرون به كاملا غير منقوص ، بفضل اللَّه وإحسانه .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 403 .